عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
53
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته وعقد لغلمانه وأتباعه على الأعمال واستندب لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته ثم جهز أبا الحسن جوهر القائد ومعه جيش كثيف ليفتح ما استعصى له من بلاد المغرب فسار إلى فاس ثم منها إلى سجلماسة ففتحها ثم توجه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قلال الماء وأرسله إلى المعز ثم رجع إلى المعز ومعه صاحب سجلماسة وصاحب فاس أسيرين في قفصي حديد وقد وطن له البلاد من باب إفريقية إلى البحر المحيط في جهة الغرب وفي جهة الشرق من باب إفريقية إلى أعمال مصر ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته وخطب له في جميعه جمعته وجماعته إلا مدينة سبتة فإنها بقيت لبني أمية أصاحب الأندلس ولما وصل الخبر إلى المعز المذكور بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر تقدم إلى القائد جوهر ليتجهز للخروج إلى مصر فخرج أولا لإصلاح أموره وكان معه جيش عظيم وجميع قبائل العرب الذين يتوجه بهم إلى مصر وخرج المعز بنفسه في الشتاء إلى المهدية فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وعاد إلى قصره ولما عاد جوهر بالرجال والأموال وكان قدومه على المعز يوم الأحد سابع عشرى محرم سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة أمره المعز بالخروج إلى مصر فخرج ومعه أنواع القبائل وأنفق المعز في العسكر المسير صحبته أموالا كثيرة حتى أعطى من ألف دينار إلى عشرين دينارا وأغمر الناس بالعطاء وتفرقوا في القيروان وصيره في شراء حوائجهم ورحل معه ألف حمل من المال والسلاح ومن الخيل والعدد ما لا يوصف وكان بمصر في تلك السنة غلاء عظيم ووباء حتى مات فيها وفي أعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان على ما قيل ولما كان منتصف رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية ودخول عساكره إليها وكانت كتب جوهر تتردد إلى المعز باستدعائه إلى مصر ويحثه كل وقت على ذلك ثم سير إليه يخبره بانتظام الحال بمصر والشام